كيف يمكن للبولي يوريثان الحيوي أن يجعل المونة الإسمنتية أقوى وأكثر استدامة؟
تستعرض هذه المقالة كيف يمكن للبولي يوريثان الحيوي المشتق من بوليول بوليستر البولي غليسيرول أن يحسن أداء المونة الإسمنتية مع تعزيز استدامتها. تعرّف على نتائج الدراسة التي أظهرت زيادة ملحوظة في مقاومة الضغط والانحناء، وتحسين مقاومة التآكل، والآليات الكيميائية التي تقف وراء هذه التحسينات.
مع تزايد الاهتمام بالبناء المستدام، أصبح البحث عن مواد إنشائية تجمع بين الأداء العالي والأثر البيئي المنخفض أولوية في قطاع التشييد. ومن بين الابتكارات الواعدة في هذا المجال استخدام البولي يوريثان الحيوي (Bio-based Polyurethane) كمضاف للمونة الإسمنتية لتحسين خواصها الميكانيكية والفيزيائية مع تقليل الاعتماد على البوليمرات المشتقة من النفط.
في هذه المقالة نستعرض دراسة حديثة طورت مونة إسمنتية معدلة باستخدام بولي يوريثان حيوي مُصنّع من بوليول بوليستر البولي غليسيرول (PPP)، ونناقش كيف ساهم هذا التعديل في تحسين أداء المادة وآلية عمله على المستوى الجزيئي.
لماذا نحتاج إلى مونة إسمنتية معدلة؟
تتعرض الأرضيات الصناعية لظروف تشغيل قاسية تشمل:
- الأحمال الثقيلة.
- الحركة المستمرة للآلات والمركبات.
- الاحتكاك والتآكل.
- التعرض للمواد الكيميائية.
- التغيرات الحرارية.
ورغم أن المونة الإسمنتية التقليدية تتمتع بقوة جيدة، فإنها قد تعاني من التشقق أو التآكل أو انخفاض المتانة مع مرور الوقت. ولهذا اتجه الباحثون منذ سنوات إلى تعديلها باستخدام البوليمرات.
لكن معظم البوليمرات المستخدمة حالياً مثل:
- SBR
- Acrylic Latex
- PVC
- البولي يوريثان التقليدي
تعتمد عى المواد البترولية، كما أن بعضها يزيد من التكلفة أو قد يؤثر سلباً في بعض الخصائص الميكانيكية أو البيئية.
ومن هنا ظهرت فكرة استخدام البولي يوريثان الحيوي بوصفه بديلاً أكثر استدامة.
ما الجديد في هذه الدراسة؟
اعتمد الباحثون على تصنيع بولي يوريثان حيوي من بوليول بوليستر البولي غليسيرول (PPP)، ثم إضافته إلى المونة الإسمنتية بنسب مختلفة:
- 0%
- 1%
- 2%
- 3%
- 6%
(كنسبة من وزن الإسمنت)
بعد ذلك تم تقييم العينات باستخدام مجموعة كبيرة من الاختبارات الميكانيكية والكيميائية والمجهرية لمعرفة تأثير هذه الإضافات على أداء المونة.
النتائج كانت مدهشة
أظهرت الدراسة أن أفضل نسبة لإضافة البولي يوريثان كانت 2% من وزن الإسمنت، حيث حققت:
- زيادة مقاومة الضغط بنسبة 58.2%
- زيادة مقاومة الانحناء بنسبة 37%
- تحسين السيولة الأولية بحوالي 20%
أما عند إضافة 6% من البولي يوريثان فقد سجلت العينات أفضل مقاومة للتآكل، وهو ما يجعلها مناسبة بصورة خاصة للأرضيات الصناعية المعرضة للاحتكاك المستمر.
كيف حسّن البولي يوريثان أداء المونة؟
لم يكن التحسن مجرد نتيجة لوجود البوليمر داخل الخلطة، بل يعود إلى تفاعل معقد بين المكونات على المستوى الجزيئي.
أثناء إماهة الإسمنت تتكون نواتج مثل:
- هلام C–S–H
- هيدروكسيد الكالسيوم
- كربونات الكالسيوم
وفي الوقت نفسه يتكون البولي يوريثان داخل المونة، مما يؤدي إلى تشكل شبكة بوليمرية متداخلة (Interpenetrating Polymer Network – IPN) داخل المصفوفة الإسمنتية.
تعمل هذه الشبكة على:
- ملء الفراغات الدقيقة.
- توزيع الإجهادات بصورة أفضل.
- تقليل المسامية.
- زيادة الترابط بين مكونات المادة.
والنتيجة هي مادة أكثر كثافة وقوة ومتانة.
ماذا يحدث على المستوى الكيميائي؟
أحد أهم ما قدمته الدراسة هو تفسير آلية الترابط بين الإسمنت والبولي يوريثان.
فقد اقترح الباحثون أن أيونات الكالسيوم (Ca²⁺) الناتجة عن إماهة الإسمنت ترتبط بالمجموعات الوظيفية الموجودة في البولي يوريثان، مثل:
- مجموعات الأمين.
- مجموعات الكربونيل.
- الحلقات العطرية.
وتنشأ بذلك روابط تناسقية (Coordination Bonds) غير تساهمية، لكنها قوية بما يكفي لتعزيز الالتصاق بين الطور الإسمنتي والطور البوليمري.
ويؤدي هذا الترابط إلى تحسين التماسك الداخلي للمادة وزيادة مقاومتها للأحمال.
كيف تأكد الباحثون من ذلك؟
استخدمت الدراسة مجموعة من تقنيات التحليل المتقدمة، من بينها:
أكد ظهور مجموعات كيميائية جديدة وانتقال بعض قمم الامتصاص، مما يشير إلى حدوث تفاعلات بين البولي يوريثان والإسمنت.
TGA
أظهر ارتفاع درجات تحلل بعض مكونات البولي يوريثان داخل المونة، وهو دليل على تحسن الاستقرار الحراري نتيجة الترابط بين المادتين.
SEM–EDX
كشفت الصور المجهرية عن بنية أكثر تجانساً مع توزيع أفضل للمسام والجسيمات.
ا(a) مقطع عرضي لعينة خرسانية غير معدلة (عينة مرجعية) خالية من البولي يوريثان (PU) عند نقطة الكسر بعد اختبار الانحناء، يُظهر
توزيعًا غير منتظم للجسيمات والمسام؛ (b، c) صور مجهرية إلكترونية ماسحة (SEM) للعينة المرجعية تُظهر تكوّن نواتج إماهة الأسمنت؛
d) مقطع عرضي لخرسانة معدلة بالبولي يوريثان (PUMC) عند نقطة الكسر بعد اختبار الانحناء، يُظهر توزيعًا منتظمًا نسبيًا للجسيمات والمسام؛
(e، f) صور مجهرية إلكترونية ماسحة (SEM) لخرسانة PUMC بنسبة 2% من البولي يوريثان، تُظهر تحسنًا في مورفولوجيا السطح والبنية المجهرية، و
تكوّن نواتج إماهة الأسمنت.
BET–BJH
أظهرت انخفاضاً في المسامية وتحسناً في توزيع أحجام المسام، وهو ما يفسر الزيادة الكبيرة في المقاومة الميكانيكية.
هل المزيد من البولي يوريثان يعني أداءً أفضل؟
ليس بالضرورة.
أوضحت الدراسة أن تجاوز النسبة المثلى يؤدي إلى نتائج عكسية.
فعند زيادة محتوى البولي يوريثان بشكل كبير، تبدأ جزيئات البوليمر في التكتل، مما يعيق إماهة الإسمنت ويؤثر سلباً في تكوين الشبكة البوليمرية المنتظمة.
لذلك كانت نسبة 2% هي الأفضل لتحقيق التوازن بين القوة الميكانيكية وسهولة التشغيل.
التطبيقات المحتملة
يمكن أن تستفيد العديد من التطبيقات الهندسية من هذا النوع من المونة، ومنها:
- الأرضيات الصناعية.
- المستودعات.
- المصانع.
- مواقف السيارات.
- الورش الصناعية.
- المناطق المعرضة للتآكل والاحتكاك المستمر.
كما أن اعتماد بوليمر حيوي بدلاً من البوليمرات التقليدية ينسجم مع التوجه العالمي نحو مواد بناء أكثر استدامة وأقل أثراً بيئياً.
ما الذي يمكن دراسته مستقبلاً؟
رغم النتائج الإيجابية، يرى الباحثون أن هناك عدداً من الجوانب التي تستحق المزيد من الدراسة، مثل:
- مقاومة الضغط في الأعمار المبكرة..
- قابلية التشغيل أثناء الخلط.
- تأثير نسب إضافية مختلفة من البولي يوريثان.
- تأثير أنظمة المعالجة المختلفة.
- مقاومة المواد الكيميائية.
- امتصاص الماء.
- الخصائص الحرارية طويلة الأمد.
الخلاصة
تُظهر هذه الدراسة أن استخدام البولي يوريثان الحيوي المشتق من بوليول بوليستر البولي غليسيرول يمثل خطوة واعدة نحو تطوير مواد إسمنتية أكثر قوة واستدامة. فقد أدى تعديل المونة بنسبة 2% فقط إلى تحسينات كبيرة في مقاومة الضغط والانحناء والانسيابية، بينما وفرت نسبة 6% أفضل مقاومة للتآكل.
وتوضح النتائج أن هذه التحسينات لا ترجع فقط إلى وجود البوليمر داخل المونة، بل إلى تكوين شبكة بوليمرية متداخلة وترابط كيميائي فعال بين البولي يوريثان ونواتج إماهة الإسمنت، وهو ما يمنح المادة بنية أكثر تجانساً ومتانة.
ومع استمرار البحث في هذا المجال، قد يصبح البولي يوريثان الحيوي أحد المكونات الأساسية في الجيل القادم من مواد البناء المستدامة، ليس فقط لتحسين الأداء الهندسي، بل أيضاً للمساهمة في تقليل البصمة الكربونية لقطاع التشييد.
ACS Omega 2024, 9, 45828−45841
تواصلوا معنا لأي استشارة أو للحصول على عينة اختبار مجانية









